ابن عطية الأندلسي

251

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو بن العاص ورجل آخر معه ونزعت من عدي خمسمائة قال القاضي أبو محمد تختلف ألفاظ هذه القصة في الدواوين وما ذكرته هو عمود الأمر ولم يصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ثبت إسلامه وقد صنفه في الصحابة بعض المتأخرين وضعف أمره ولا وجه عندي لذكره في الصحابة وأما معنى الآية من أولها إلى آخرها فهو أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله وحكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وابن عباس وغيرهم يقولون معنى قوله * ( منكم ) * من المؤمنين ومعنى * ( من غيركم ) * من الكفار قال بعضهم وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا يسافرون في التجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة واختلفت هذه الجماعة المذكورة فمذهب أبي موسى الأشعري وشريح وغيرهما أن الآية محكمة وأسند الطبري إل الشعبي أن رجلا حضرته المنية بدقوقا ولم يجد أحدا من المؤمنين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته فقال أبو موسى الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ثم أحلفهما بعد صلاة العصر وأمضى شهادتهما وأسند الطبري عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة النصراني واليهودي على مسلم إلا في الوصية ولا تجوز أيضا في الوصية إلا إذا كانوا في سفر ومذهب جماعة ممن ذكر أنها منسوخة بقوله تعالى * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * وبما استند إليه إجماع جمهور الناس على أن شهادة الكافر لا تجوز وتأول الآية جماعة من أهل العلم على غير هذا كله قال الحسن بن أبي الحسن وقوله تعالى * ( منكم ) * يريد من عشيرتكم وقرابتكم وقوله * ( أو آخران من غيركم ) * يريد من غير القرابة والعشيرة وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب قالوا أمر الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها فإن كان الأمر في سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان فإذا شهدا فإن لم يقر ارتياب مضت الشهادة وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين وقال بعض الناس الآية منسوخة ولا يحلف شاهد ويذكر هذا عن مالك بن أنس والشافعي وكافة